الخميس، 4 مارس، 2010

اعدام عبده خال

من جريدة الوطن السعودية
مقال جيد للكاتب علي سعد الموسى

شكرا للزميلة ـ الشرق الأوسط ـ لأنها انفردت بالأمس أن يكون الروائي السعودي، عبده خال، عنوان صفحتها الأولى وهو يفوز بجائزة ـ بوكر ـ العربية متفوقا على 150 كاتبا روائيا في جائزة ـ الآداب ـ العربية الوحيدة التي تحترم صرامة المعايير. في جل البقية، غاب عبده خال، وفي بعضها تم تكريمه بالتفضل بالإشارة إليه هروبا من صفحة داخلية. قصة عبده خال في هذا الإهمال المريع لكل تجربته الروائية هي قصته معنا مثلما هي في المقابل قصته مع نفسه وشخصه.
هي قصته معنا لأننا نتقن أسماء الفائزين في مرابع الإبل وألوانها ونخصص لها اليوم ما لا يقل عن عشر من قنوات الفضاء ونصدر لها، ومن أجلها، مطبوعات الورق الفاخر في مجلات الأدب الشعبي. أما أن يكون عبده خال أدب شعب ووجه ثقافة لوطن فهذا لا يصح لهذا الجسد النحيل ونحن مازلنا نتعامل مع بعض ما يكتب بالتهريب من أرصفة العواصم المجاورة، تماما مثلما نهرب التبغ المصفى أو أوراق السحر والشعوذة.
لم يكتب روائي من قبل تفاصيلنا الجميلة أو المؤلمة مثلما كتب عبده خال: لنا الحق كاملا أن نختلف معه، أن نرفض بعض ما يقول، وأن نحذف من حياتنا بعض تفاصيلها المخجلة أو المؤلمة ولكن: أن نجني عليه بالتجاهل أو الإهمال أو أن نحكم عليه بالإعدام المجازي فهذه ليست ظاهرة صحة ثقافية.
قصة عبده خال الأخرى هي مع نفسه مع اختياره الطوعي أو القسري أن يبقى بسيطا متواضعا إلى هذه الدرجة التي لا تتناسب مع عقدة الذهول والكبرياء، فيما يكتب. أن يكون المنتج (بفتح التاء) أكثر شهرة وسطوعا من المصنع. كنت مؤمنا أن روائيا عملاقا مثل هذا الجسم الصغير بحاجة إلى آلة تسويق لا لما يكتبه، فقد وصل كتابه إلى بوكر، بل لنفسه لأن صغار الحجم من حول عبده خال تحولوا اليوم إلى نجوم كبرى وهم لم يكتبوا شذرة واحدة من شهب هذا الخال المثير للجدل. أصبح هؤلاء الصغار من حوله نجوم الفضائيات والصوالين الأدبية ونزلاء الفنادق الكبرى وضيوف أصحاب القرار الثقافي فيما مازال عبده خال لا يشبه شيئا إلا ما يشبه من بذرة الزيزوف: تخرج من جوفها أكبر زهرة في منطقة المدار الاستوائي وبعد أن تقطف الزهرة تصبح البذرة في العراء ليلتهمها أقرب طائر إلى جذع هذه البذرة. مازال عبده خال مسؤولا عن طابور الصباح ليوم في الأسبوع في المدرسة الابتدائية ومدرسا تقليديا لمادة التعبير في الصف الرابع الابتدائي دون أن يعرف طلابه من هو هذا المعلم في زحمة الشهرة الطاغية لقلب وسط نادي الاتحاد. مازال عبده خال، وللمفارقة، يكمل نصابه التعليمي مدرسا للرياضة في الصف الأول الابتدائي بذات المدرسة. باختصار نحن نعدمه عمداً وبمساهمة منه لسبب بسيط: لأنه اختار هذه البساطة، ولو لم يكن بسيطا لما كان له اسمه الضخم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق