الثلاثاء، 21 يناير، 2014

أمي والفايسبوك!

نُشر هذا النص في موقع الهاتبوست هنا

عزمت أمي منذ بضعة أشهر الإنضمام الى جمهورية الفايسبوك، وهي محاولة منها لإختراق "عالمي السري" الذي أقضي فيه ساعات طويلة. يجب التنويه هنا أنها لم تتعامل من قبل مع أي جهاز كمبيوتر أو لابتوب في حياتها. فالبنسبة لها، الانضمام الى فايسبوك هو عملية محو أمية تبدأ بتعلّم أساسيلت االكومبيوتر مثل كيفية تشغيله، والتحكّم بالفأرة والتعرّف على لوحة المفاتيح، إلخ...
وبالكثير من الصبر والتحمّل استطعتُ أن أعد لها حساباً فايسبوكياً وأعلّمها كيفية الوصول إليه بخطوات بسيطة. ومن هنا بدأت رحلة استكشافها لهذا العالم الغريب كلياً عنها، فكانت أشبه بطفل يتعلم المشي ويتخبط في أرجاء المنزل مخلفاً وراءه  أواني مكسورة وأشياء مبعثرة على الأرض.  فتكتب رسالة الى صديقتها على "بوست" لشخص ثالث لا تعنيه محادثتها ولايعرف تلك الجارة لا من قريب ولا من بعيد، أو تعلق على صورة معتقدة أنها لشخص آخر، والكثير من المواقف المضحكة والمحرجة أحياناً. إلّا أنها، وفي وقت قصير نسبياً، استطاعت أن تكتسب الكثير من الخبرة وتعلّمت الكثير حول الانترنت بشكل عام والفايسبوك  بشكل خاص.
 بالنسبة لها، الفايسبوك هو جسر عبور بينها وبين وطنها الأم، فلسطين. جسر خالٍ من الحواجز ونقاط التفتيش وتأشيرات الدخول.  هي الآن تتواصل مع أقربائها في مناطق 48 بشكل يومي، تسألهم عن أفراد في العائلة بعضهم وافته المنية دون علمها. أصبحت رحلتها مع الفايسبوك رحلة إلى "البلاد"  وحنين إلى زمن لم يتم. أمي تعيش اليوم يوميات فلسطينية، فتعلم أحوال قريتها وتنظر الى شجر زيتونها عن طريق الصور المرسلة لها من الأقارب والأصدقاء، منهم من لم تقابلهم في حياتها، ولكنها لا تتردد لحظة قبل تأكيد صداقتهم على الفايسبوك، بل وتبحث عنهم وتضيفهم إلى لائحة الأصدقاء. تحولّت أسماء كانت أمي تسمع عنها ولم تعرف أصحابها، الى أشخاص في عالمها الافتراضي الذي أصبح جزءا لا يتجزء من حياتها‏ ، تتواصل معهم بشكل دائم، تطمئن عليهم وعلى أحوالهم وتواكب حيواتهم.
في دراسة حديثة حول تويتر، وُجد أن أسرع شريحة تنضم الآن الى هذه المنصة هي ما بين عمر 55 و 64 سنة. أتوقع أن في المستقبل القريب سيتم رصد نتائج مماثلة فيما يتعلق بالفايسبوك.  فالجيل الذي لم يكن جزءاً من إحداث ثورة  اجتماعية وثقافية بدأت من صفحات الانترنت ومنصات الإعلام الاجتماعي وانتقلت إلى الشارع والمدرسة والبيت، يستفزه الآن الفضول ويحثه على دخول عالم قد يكون بالنسبة له أشبه بجسر عبور في الذاكرة ما بين الحاضر والماضي. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق